حيدر حب الله

40

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

ولعلّ وقوع جملة تأليف القلوب بالإسلام في سياق الآيات الحاثة والمتحدّثة عن نصر النبي وتقويته قبل هذه الآية ( الأولى ) وبعدها ، فيه إشارة إلى الدور الذي يلعبه تأليف القلوب الإسلامية بالإسلام في تحقيق العزّة والنصر والمنعة والقوّة . ولا تفوتنا الإشارة إلى أنّ الآية الثانية ركّزت مرّتين على وصف النعمة ، وهي إشارة دالّة ومعبرة ، من حيث إن الإسلام بتوحيده القلوب ونشر ثقافة الأخوّة قد ألقى نعمةً إلهيةً على الناس ، وهذه النعمة سواء جعلناها الإسلام أم محمداً أم القرآن أم أيّ شيء آخر . . فهي في نهاية المطاف ترجع إلى الدين الذي هو الظاهرة التي استجدّت في الحياة العربية آنذاك ، بحيث يتصوّر نسبة التوالف المستجدّ - بقرينة قوله : ( فَأَصْبَحْتُمْ ) - إليها . والآية أيضاً واضحة في أنّ التأليف كان مقدّمةً للأخوة ، وهذا معناه أنّ الأخوة لا تعني مجرّد العلاقات الطيبة أو المصالح المشتركة على أساس قبلي أو وطني أو قومي أو عشائري أو حتى ديني . . تصاحبها حالات تنافر قلبي في واقع الأمر لو خلّي كلّ فريق ونفسه ، كما هي حال أمّتنا اليوم في غير موقع ، بل تنتج من عملية توليف القلوب في مرحلة أولى ؛ ليعقبها تحقّق مفهوم الأخوة ، فكأن التلازم السببي أو تلازم السابق مع اللاحق كان شديداً حتى عبّرت الآية ب - ( فَأَصْبَحْتُمْ ) مستخدمةً الفاء الدالّة على العطف بلا تراخي . وبتحليل صيغة الأمر في مطلع النص ( وَاذْكُرُوا ) ، نفهم أنّ تذكّر هذه النعمة واجبٌ شرعي ، بيد أنّه ليس مأخوذاً على نحو الموضوعية المستقلّة ، بمعنى أنّ التذكّر هنا لا يهدف منه مجرّد التذكّر ، وإنّما استشعار المنّة الإلهية ؛ لأنّ الآية وردت في سياق الامتنان الذي أعقب طلب الوحدة وعدم الفرقة ، وهذا معناه أن هذا التذكر لتحوّل حالهم من التمزّق إلى التوافق إنّما يراد منه السعي دوماً لإبقائه ضمن المناخ